علي أكبر غفاري
74
دراسات في علم الدراية
يحدث في جماعة فدخل رجل حسن الوجه ، فقال الشيخ في أثناء حديثه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ، فزعم ثابت بن موسى الزاهد أنه من الحديث فرواه مع أن ليس من الحديث ، فبذلك لا يحكم بفسقه لو فرض عدالته في نفسه . ثم إن الواضعين أصناف : أحدها : قوم قصدوا بوضع الحديث للتقرب إلى الملوك وأبناء الدنيا ، مثل غياث بن إبراهيم " دخل على " المهدي بن المنصور " وكان يعجبه الحمام الطيارة الواردة من الأماكن البعيدة ، فروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح " فأمر له بعشرة آلاف درهم ، فلما هرج قال المهدي : أشهد أن قفاه قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وآله ، ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله : جناح ، ولكن هو أراد أن يتقرب إلينا ، وأمر بذبحها ، وقال أنا حملته على ذلك . ثانيها : قوم كانوا يضعفون على رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث يكتسبون بذلك ويرتزقون به كأبي سعيد المدايني وغيره ، وقد جعل في البداية من هذا الباب ما اتفق لأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة حيث دخلا المسجد فسمعا قاصا يقول : " أخبرنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس أنه صلى الله عليه وآله قال : من قال : لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجانة - وأخذ في قصة طويلة - فأنكرا عليه الحديث ، فقال : أليس في الدنيا غير كما أحمد ويحيى " . ثالثها : قوم ينسبون إلى الزهد والصلاح بغير علم ، فيضعون أحاديث حسبة لله وتقربا إليه ، ليجذب بها قلوب الناس إلى الله تعالى بالترهيب والترغيب ، فقبل الناس موضوعاتهم ، ثقة بهم ، وركونا إليهم ، لظهور حالهم بالصلاح والزهد ، ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في الوعظ والزهد ، وضمنوها أخبارا عنهم ، ونسبوا إليهم أقوالا وأحوالا خارقة للعادة وكرامات لم يتفق مثلها لأولى العزم من الرسل ، بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة وإن كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها .